آمنة بنت وهب أم رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم 1 كانت من بني زهرة، 2 بطن من قبيلة قريش، ونسبها من أبيها: وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، 3 ومن أمها: برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن. 4
أما وهب أبو آمنة رضي اللّٰه عنها فكان سيد بني زهرة نسبا وشرفا، 5 وكانت له مكانة مرموقة ومنزلة مرفوعة من بين أشرافهم ورؤسائهم، وكان يعبد الشعرى (Sirius)، وهي كوكبة نيرة تطلع عند شدة الحرارة، ويقال لها بالعربية "كبشة"، فخالف الطباع العربية والمثل التاريخية في عبادته لها، فعرف بأبي كبشة، ونسب إليها؛ لأنه كان يعبدها، ولم يكن أحد يعبدها من العرب غيره، خالف في ذلك جميع العرب، فلما جاءهم رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم بخلاف ما كانت عليه العرب، قالوا: هذا ابن أبى كبشة، 6 ويُظهرون بذلك الغضب، ويثيرون السخط كما ينسبونه بذلك إلى وهب بن عبد مناف.
ولم يكن لآمنة شقيق ولا شقيقة، نعم، كان لها أخوان من أبيها عن زوجته الأخرى ضعيفة بنت هاشم بن عبد مناف، وهي أم عبد يغوث وعبيد يغوث ابني وهب بن عبد مناف، 7 وأما بنو زهرة فكانوا يفتخرون بقرابتهم مع رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم، فيقولون: إنهم أخوال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم؛ لأن آمنة رضي اللّٰه عنها كانت منهم . 8
آمنة رضي اللّٰه عنها كانت امرأة حكيمة رزينة لها ركانة ووقار، ذات عقل وعفاف، ذات شأن خاص في نساء قريش وخاصةً في بني زهرة، وممتازة بشخصيتها وعبقريتها من بين نساء العرب، فهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا من جهة الأب ومن جهة الأم، فأمها بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، 9 وأبوها وهب يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا، 10 ومتصفة بصفات مرضية وخصال زكية لم تتصف بها نساء العرب إلا القلائل، كعفاف وحلم وفطنة بالغة وهمة عالية وغيرها من أخلاق فاضلة.
كانت آمنة رضي اللّٰه عنها صاحب شخصية فذة تمتاز بها منذ نعومة أظفارها من زميلاتها اللاتي نشأت وترعرت معها في تربة واحدة، وكانت في قريش كاهنة مشهورة باسم سودة بنت زمعة، تطوف بالقبائل العربية، ولما زارت بني زهرة، فقالت لهم: فيكم نذيرة أو تلد نذيرا، فاعرضوا علي بناتكن، فعرضن عليها، فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب، فقالت: هذه النذيرة أو تلد نذيرا له شأن وبرهان منير، 11 فمن ذلك اليوم انتشرت صيتها، وأضاف إليها اتصافها بصفات عالية، وزواجها بعبد اللّٰه بن عبد المطلب.
من ناحية إنها رضي الله عنها أفضل قومها حسبا وأنجب، وأزكاهم أخلاقا وفرعا وأطيب، 12 ومن ناحية أخرى إن اللّٰه أعطاها من الجمال والكمال ما كانت تدعي به حكيمة قومها، 13 فقد خصها اللّٰه تعالى القريب المجيب بهذا السيد المصطفى الحبيب، 14 وحافظت على معتقداتها وأفكارها حيث إنها ما دعت الأوثان ولاتحاكمت إليها ولا استنصرت بها في الجاهلية، كما تخلقت بصفة الاعتدال في سلوكها ومعاملاتها، وكان كل من أبويه صلى اللّٰه عليه وسلم الكريمين من أهل الفطرة، 15 فأخلصا الدعاء والتوحيد إلى اللّٰه عز وجل وابتعدا عن الشرك ورجسه إلى أن توفيا.
وهناك أبيات منسوبة إليها في كتب السيرة والتاريخ كانت تقولها بكثرة في حياتها، ولما كانت معتلة بعلتها التي ماتت فيها - والنبي صلى اللّٰه عليه وسلم كان غلاما يفعا -، فنظرت إلى وجهه ثم قالت:
بارك اللّٰه فيك من غلام
يابن الذى من حومة الحمام
نجا بعون الملك المنعام
فودى غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام
إن صح ما أبصرت فى المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام
من عند ذى الجلال والإكرام
تبعث فى الحل وفى الحرام
تبعث فى التحقيق والإسلام
دين أبيك البر إبراهام
فاللّٰه أنهاك عن الأصنام
ألاتواليها مع الأقوام16
وقد نقلها الإمام القسطلاني، 17 وتبعه العلامة الزرقاني، 18 وأوردها محمد بن يوسف الصالحي الشامي، 19 وحسين بن محمد الديار بكري، 20 وأحمد بن زيني دحلان. 21
وأما آباء النبي صلى اللّٰه عليه وسلم من أبيه إلى إبراهيم عليه السلام، ثم من إبراهيم إلى آدم عليهما السلام، الذين قد ذكر أسمائهم النسابون في نسبه صلى اللّٰه عليه وسلم المعروف، فما كان أحد منهم على اعتقاد جاهلي ولا مكبا على عبادة وثن ولا صنم، بل كانوا جميعا من الموحدين والطاهرين من أدناس الشرك وأرجاسه، وقد ثبت هذا بقول النبي صلى اللّٰه عليه وسلم: لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات. 22
وقد ذهب الإمام الرازي إلى أن اللّٰه عز وجل بين طهارة نسبه صلى اللّٰه عليه وسلم بقوله: إنما المشركون نجس، 23 وذلك يوجب أن يقال: إن أحدا من أجداده ما كان من المشركين، 24 وبناء على ما أوردنا على طهارة نسبه صلى اللّٰه عليه وسلم من نصوص قطعية نقول: إن أبوي النبي صلى اللّٰه عليه وسلم الكريمين كانا على دين الفطرة، ولم يكونا من المشركين.
قد تم زواج آمنة بعبد اللّٰه رضي اللّٰه عنها سنة 549م قبل وقعة أصحاب الفيل بعام، وقد كان عبد اللّٰه شابا، نسيبا، جميلا، وسيما، 25 وكان أحسن أولاد عبد المطلب، وأعفهم وأحبهم إليه، 26 وشبهه المؤرخ الإفرنجي "مارتن لنجس" بسيدنا يوسف عليه السلام في كتابه الذي صنفه حول سيرة الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، 27 ومعلوم أن عبد المطلب كان نذر نحر أحد بنيه إذا بلغوا عشرة، ثم قام بوفاء نذره، فنحر مائة من الإبل عوضا عن ابنه عبد اللّٰه بعد ما أقرع بين أبناءه وخرجت القرعة لعبد اللّٰه، ولما اشتهر وفاء أبيه بنذره فذاعت صيته في الآفاق والأطراف، وبدأ الناس يتجاذبون أطراف الحديث عن ابنه الذبيح، وكلما استمعت الآذان عنه فارتكز في الأذهان، ومن الطبيعي أن النساء تميل إلى من ذاع صيته واشتهر بالفضل والنباهة فأرسلت إليه الخطبات للتزويج منه، ولكن عزم أبوه من صميم القلب على أنه يزوجه في بني زهرة، فكان يذهب إلى اليمن ماراً ببني زهرة، ولما انصرف مرةً انطلق بابنه عبد اللّٰه إلى بني زهرة، فخطب له إلى وهب بن عبد مناف وهو أبو آمنة رضي اللّٰه عنها، وكان يومئذ من أشراف قريش، 28 فزوج ابنه عبد اللّٰه آمنة بنت وهب، فولدت له رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم، 29 وخطب إليه عبد المطلب بن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وهيب على نفسه فزوجه إياها، فكان تزوج عبد المطلب بن هاشم وتزوج عبد اللّٰه بن عبد المطلب في مجلس واحد، فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطلب حمزة بن عبد المطلب، فكان حمزة عم رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم في النسب وأخاه من الرضاعة، ولما تزوج عبد اللّٰه بن عبد المطلب آمنة بنت وهب أقام عندها ثلاثا، وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها، 30 وانتقل النور المحمدي الذي كان يضيء في غرته إلى آمنة رضي اللّٰه عنها.
ذكر أهل السير أن عبد اللّٰه دخل عليها حين ملكها مكانه، 31 فوقع عليها يوم الاثنين أيام منى، 32 فاستقرت نطفته الزكية ودرته المحمدية في صدفة آمنة رضي اللّٰه عنها في شهر ذي الحجة، ونقل بعض الإخباريين أن استقرار الحمل كان في شهر رجب، والقول الأول راحج أيده أهل السير بدلائل قاطعة وحجج ساطعة، وامتدت مدة استقراره إلى تسعة أشهر كحمل عادي، لكن لما حملت آمنة رضي اللّٰه عنها برسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم ظهر لحمله عجائب، ووجد لإيجاده غرائب، 33 وقالت: ما شعرت بأني حملت به، ولا وجدت له ثقلا ولا وهما كما تجد النساء، إلا أني أنكرت رفع حيضتي، وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة، وقال: هل شعرت بأنك حملت بسيد الأنام، 34 وتمت مدته دون أي ألم وشدة.
خرج عبد اللّٰه بن عبد المطلب إلى الشأم إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا، فمروا بالمدينة وعبد اللّٰه بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال: أنا أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطلب عن عبد اللّٰه فقالوا: خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي، ودفن في دار النابغة، وهو رجل من بني عدي بن النجار، وأخبره أخواله بمرضه، وبقيامهم عليه، وما ولوا من أمره، وأنهم قبروه، فرجع إلى أبيه، فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا شديدا، ورسول اللّٰه، صلى اللّٰه عليه وسلم يومئد حمل، ولعبد اللّٰه يوم توفي خمس وعشرون سنة. 35
ولما بلغت آمنة رضي اللّٰه عنها نعي زوجه فوقعت عليها غموم وهموم؛ فإنها ترملت في أيام شبابها بعد مدة قليلة من زواجها، وقالت ترثي زوجها:
عفا جانب البطحاء من بن هاشم
وجاور لحدا خارجا في الغماغم
دعته المنايا دعوة فأجابها
وما تركت في الناس مثل بن هاشم
عشية راحوا يحملون سريره
تعاوره أصحابه في التزاحم
فإن يك غالته المنايا وريبها
فقد كان معطاء كثير التراحم36
ويتضح من هذه المرثية حزنها الشديد على فقد زوجها كما تظهر منها علاقتها بفن الشعر والأدب العربي، ومن ناحية تدل على وصفين جليلين لعبد اللّٰه، وهما الجود والشفقة.
ولد رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم في صبيحة يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، عام الفيل، 37 ويوافق ذلك العشرين أو الثاني وعشرين من شهر أبريل سنة، 571 م 38 ويرجح كوسان دبرسفال في كتابه عن العرب أن محمدا صلى اللّٰه عليه وسلم ولد في أغسطس سنة 571م، أي عام الفيل، 39 فلما انتقل النور المحمدي من الصدفة المكنونة إلى عالم الخلق، ووضعته أمه صلى اللّٰه عليه وسلم، أرسلت إلى جده عبد المطلب: أنه قد ولد لك غلام، فأته فانظر إليه، فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت به أن تسميه، فيزعمون أن عبد المطلب أخذه، فدخل به الكعبة، فقام يدعو اللّٰه، ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها. 40
فأرضعته أمه صلى اللّٰه عليه وسلم سبعة أيام، 41 وبعد مضيها التمسوا له المراضع من أهل البادية، وكان من عادتهم أن يدفعوا الأولاد الصغار إلى مرضعة من أهل البادية العربية، لينشأ في بيئة عربية خالصة وجو صاف صالح، فاسترضع له جده حليمة السعدية رضي اللّٰه عنها 42 وهي ابنة أبي ذويب، فدفعت أمه فلذة كبدها إليها، وكانت امرأة عفيفة من قبيلة بني سعد، فذهبت به إلى بلاد بني سعد، وأثناء مكثه صلى اللّٰه عليه وسلم عندها رأت ما رأت من الخير والبركة في بيتها وغنمها، فتقول: فلم نزل نتعرف من اللّٰه الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا، قالت: فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وبأ مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا، 43 وكان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم عندها من خمس إلى ست سنوات.
وكانت تأتي به إلى أمه حينا بعد حين، لتزور ابنها وتقر به عيناه، حتى حدث شق صدره صلى اللّٰه عليه وسلم، فقالت حليمة رضى اللّٰه عنها: فرجعنا به صلى اللّٰه عليه وسلم إلى خبائنا أي محل الإقامة، وقال لي أبوه: يا حليمة (رضى اللّٰه عنها)! لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك، وفي رواية: قال الناس: يا حليمة (رضى اللّٰه عنها)! رديه على جده، واخرجي من أمانتك، 44 فرجعت به صلى اللّٰه عليه وسلم إلى أمه، فكان صلى اللّٰه عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب في كلاءة اللّٰه وحفظه، ينبته اللّٰه ونباتا حسنا لما يريد به من كرامته، فلما بلغ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب رضى اللّٰه عنها.45
لما بلغ رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أم أيمن تحضنه وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، وهي كانت مدفن عبد اللّٰه رضي اللّٰه عنه، 46 وفي رواية: وقيمها عبد المطلب في هذا السفر. 47
فأقامت به شهرا عند أخواله بني عدي بن النجار، وبعد ذلك أرادت أن تنصرف به إلى مكة مخافة وإشفاقا على نجله الكريم صلى اللّٰه عليه وسلم، وذلك بسبب أن أحبار اليهود قد عرفوا النبوة والرسالة في ملامحه صلى اللّٰه عليه وسلم، كما قالت أم أيمن: فجاءني ذات يوم رجلان من يهود المدينة، فقالا لي: أخرجي إلينا أحمد ننظر إليه، فنظر إليه، وقلباه، فقال أحدهما لصاحبه: هذا نبي هذه الأمة، وهذه دار الهجرة، وسيكون بها من القتل والسبي أمر عظيم، 48 فبينما هي راجعة إذ يلاحقها المرض، ويلح عليها في أوائل الطريق، 49 حتى إذا كانت بالأبواء، وهي محل بين مكة والمدينة، وإلى المدينة أقرب، واقعة على بعد من المدينة حوالي 137 ميلا، وهي الميقات لحجاج الشام، فهلكت بها 50 راجعة به صلى اللّٰه عليه وسلم من المدينة، وسمي بذلك أي بالأبواء؛ لأن السيول تتبوأه، أي تحل فيه، ودفنت بها، 51 والأبواء جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات غير الخزم والبشام، وبها قبر آمنة بنت وهب أم رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم، 52 والآن أيضا يزور قبرها المقيمون والزائرون بعدد كبير كل يوم، يدعون ويستغفرون أو يقرأون شيئا من القرآن لها.
وكان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم دائما يثني على أمه الخير، ويكثر ذكر الرحلة التي ارتحل مع أمه في زمان صغره من مكة إلى يثرب، كما تخبر الأحاديث النبوية على صاحبه ألف تحيات وتسليمات أنه صلى اللّٰه عليه وسلم كلما يتذكرها وخاصة أيام وفاتها فيحزن عليها حزنا شديدا، ومرةً زار النبي صلى اللّٰه عليه وسلم قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله 53 من أصحابه، فسألوا عن بكائه صلى اللّٰه عليه وسلم، فقال: أدركتني رحمتها. 54